خواجه نصير الدين الطوسي
354
شرح الاشارات والتنبيهات مع المحاكمات ( وشرح الشرح قطب الدين الرازي )
خلصوا إلى عالم القدس والسعادة - وانتقشوا بالكامل الأعلى - وحصلت لهم اللذة العليا وقد عرفتها يريد بالعارف الكامل بحسب القوة النظرية - وبالمتنزه الكامل بحسب القوة العملية - فإن كمال القوة العملية هو التجرد عن العلائق الجسمانية - وإطلاق الدرن على الهيئات البدنية استعارة لطيفة - فإنها تمنع النفس عن الانتقاش بالكمال التام - كما يمنع الدرن الثوب عن الانصباغ التام - وإنما قال خلصوا إلى عالم القدس - لأنهم كانوا ذوي علم به - فصاروا ذوي عيان له - فكأنهم كانوا قد ذهبوا إلى ذلك العالم - ولكن لا بالكلية فذهبوا الآن بالكلية - وحصلت لهم اللذة العليا - التي ذكرها من قبل بهذا الوصول ( 15 ) تنبيه [ في وجود اللذة الحقيقية قبل الموت ] وليس هذا الالتذاذ مفقود من كل وجه - والنفس في البدن - بل المغمسون في تأمّل الجبروت - المعرضون عن الشواغل - يصيبون وهم في الأبدان من هذه اللذة حظا وافرا - قد يتمكن منهم فيشغلهم عن كل شيء هذا إخبار عن وجود اللذة الحقيقية قبل الموت - وتنبيه عليه بالقياس العقلي - وإنما يتحققه من هو ميسر له - وألفاظه غنية عن الشرح ( 16 ) تنبيه [ في بيان حال النفوس المستعدة للكمال ] والنفوس السليمة - التي هي على الفطرة - ولم يفظظها مباشرة الأمور الأرضية الجاسية - إذا سمعت ذكرا روحانيا - يشير إلى أحوال المفارقات غشيها غاش شائق - لا يعرف سببه - وأصابها وجد مبرح مع لذة مفرحة - يفضي ذلك بها إلى حيرة ودهش - وذلك للمناسبة وقد جرب هذا تجريبا شديدا - وذلك من أفضل البواعث - ومن كان باعثه إياه - لم يقنع إلا بتتمة الاستئصال - ومن كان باعثه طلب الحمد والمنافسة - أقنعه ما بلغه الغرض - فهذه حال لذة العارفين يريد بالنفوس السليمة - التي هي على الفطرة النفوس التي لم ينتقش فيها الحق - ولم تتدنس بالعقائد المخالفة للحق - ولم يفظظها أي لم يغلظها - والفظ من الرجال الغليظ - والجاسية الشديدة الصلبة يقال جسأت يده بالهمزة - أي صلبت وغشيها أي